ابن النفيس
34
شرح فصول أبقراط
جليسه وأنيسه وصاحب مشورته . وظهر منه نوادر في « تقدمة المعرفة » ، وبراعة طبية لا نظير لها ، فولّاه السلطان رئاسة أطباء ديار مصر بأسرها وأطباء بلاد الشام « 1 » . ويحكى لنا ابن أبي أصيبعة عن أوقات الدّخوار ، فيقول إنه كان إذا تفرّغ من البيمارستان وتفقد المرضى من أعيان الدولة . . يأتي داره فيشرع في القراءة والمطالعة ونسخ الكتب بخطه ، حتى إذا فرغ من ذلك ، دخل عليه الأطباء للبحث والاستفادة وبيد كل منهم نسخة من أحد كتب الأمهات . . وكان هو لا يفارق كتب الطب الرئيسية ، بالإضافة إلى كتاب « الصّحاح » في اللغة للجوهري ، و « المجمل » لابن فارس ، و « كتاب النبات » للدينوري ؛ حتى إذا جاءت في الدرس كلمة يحتاج كشفها ، نظرها في تلك المراجع . وكان الدّخوار إذا فرغ من الدرس أمضى بقية يومه ساهرا مشتغلا بالعلوم . ولم تقف اهتمامات الدّخوار العلمية عند حدود الطب ، بل اشتغل أيضا بالمنطق والفلسفة ، وكان كثير الاجتماع بسيف الدين الآمدي ، الذي كان من أعلام هذا العلم في عصره ، واشتغل الدّخوار أيضا بعلم الهيئة ( الفلك ) على أبي الفضل الإسرائيلي المنجم ، واقتنى بداره العديد من آلات هذا العلم . وكان الدّخوار يعالج المرضى احتسابا ، دون أجر ، ممن رقّ حاله مع أنه كان فقيرا . وهو موقف نعرفه أيضا للفاضل أبقراط . . وفي ذي القعدة ، سنة 622 هجرية ، توجه الدّخوار لخدمة الملك الأشرف بشرق الشام . وهناك عرض له ثقل في لسانه ، فبقي لا يسترسل في الكلام . وحين عاد إلى دمشق استعصى عليه الداء ، حتى عسر عليه الكلام تماما ، فكان يكتب لتلاميذه الدرس في لوح فينظرون إليه « 2 » . واجتهد الدّخوار في علاج نفسه بأقوى الأدوية أثرا ، واستعمل المعاجين الحارة ، فعرضت له حمى شديدة ، وزادت عليه الأمراض وتوالت حتى سالت عيناه . وحين جاء الأجل بطل العمل - كما يقول ابن أبي أصيبعة - ففي ليلة الأحد ، الرابع عشر من صفر ، سنة 628 توفي الدّخوار ، ودفن بجبل قاسيون بدمشق . ولم يخلف الدّخوار أولادا ، ولم يتزوج أصلا ؛ إذ يبدو أن حياة العلم لم تترك له فسحة لحظوظ النفس ، إلا أنه خلف مالا كثيرا ، كما ترك دارا رحيبة بسوق المناخليين
--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء ، ج 2 ، ص 395 . ( 2 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء ، ج 3 ، ص 398 . وأيضا ؛ ابن العماد : شذرات الذهب ، ج 5 ، ص 128 .